في

يوم غائم آخر

من بين كل الأيام المتخبطة التي مررت بها ..اليوم كان الأصعب ..سكنتني حالة الضياع إياها ..التيه بين كينونتي المادية وبين روحي المعلقة ..كذلك الخيط الرفيع الذي يفصل عادة بين البكاء أو الضحك على عدم قدرتنا على البكاء ..انها كيد تعتصر قلبك بلا رحمه او كغصة هائلة تتجمع رويدا في حلقك ..اليوم استوطنت انا تلك الغصه .وكأنني خرجت من ذاتي وجلست اشاهد من عليين تمثيليه الاستسلام الزائفه التي يروق لي ان تلبسها من ان لاخر ..وكأنني الضحية ..لم؟ لا ادري حقا ..الا ان ذلك الشعور غالبا ما اضاف لي الكثير من الراحه ..كأن جسدي يتنحى خوفا _ من تلك المبارزة الدائرة بين أفكاري.. والتي اتخذت رأسي ساحة لها ..فيرنو له كما يهيأ للمشاهد أن يكون جسدا مع وقف التنفيذ ..نظراته فارغه ..عباراته مبهمه ..حقيقة انا لا اقاوم عاده هذا السيل العارم من الفوضى الذي يجتاحني بل على العكس لطالما رايته نوعا من أنواع الإجازة الذهنية لامرأة في هذا العصر عليها ان تركض لاهثه خلف كل ما يجب عليه أن تكون المرأة في هذا العصر .. الا ان اليوم كان مختلفا ..ربما بدأ كل شئ عندما اضطررت كارهه ان اتابع ما يمليه علي واجبي كأم وأن تتابع إجراءات نقل ابنتي من مدرسة لأخرى للمرة الثالثة افاجأ بان الموظف الذي اتصل بي بالأمس ليبلغني بضرورة حضوري للمدرسة لاستلام اخيرا بعض الأوراق الضرورية المستعجلة لابنتي ..أنه قد احضرني سدى وأن الأوراق ليست جاهزة وأنه على الرغم من اكتشافه لعبثية قدومي إلا أنه لم يفكر بالاعتذار او الاتصال لحثي على عدم القدوم بل اكتفى بالقول بأسلوب متذاكي “مشكلتك يا سيدتي انك تحبين الأمور المنظمة المرتبة ..أعرف هذا لأنني انا مثلك احب الامور المنظمة الدقيقة ” !!! راقبت نفسي وانا اهز راسي موافقه بتصديق ابله وبسعادة ساذجة ..انا منظمة ؟؟!! ياروعتي ..لأول مرة منذ ثمانية وعشرين عاما يصفني شخص ما أنني كذلك ..!! لم استفق حقا من سخافتي إلا عندما عدت لبيتي ..لقد هزأ مني ذلك الموظف وانا عوضا عن التصرف بحزم كولية امر تحترم نفسها ..تصرفت كمراهقه خرقاء تطير فرحا عند اول مجاملة كاذبة ..وكل هذا حصل بسبب انشغال ذهني بصراعه القائم .. ماحصل بعد ذلك كان متوقعا ..انغمست تماما بحالة فظيعه من التوتر أعقبها استسلام تام لاقبح كلمة عرفها الوجود “الاكتئاب ” .(.ربما لو تابعت عملي كمدرسة لم يكن كل ذلك ليحصل ..من المؤكد اني كنت سأكون سليطة اللسان بما يكفي لا أجيد التصرف ..إلا أنني لم أطق صبرا ..كان يجب علي ان اجمع الحجج واصدٌق والبراهين على انني لن انجح ابدا بالجمع بين العمل والبيت ,اقنعت نفسي وجميع من حولي اني اضحي نجاحي في عملي وتحقيق ذاتي في سبيل تربية أبنائي أفضل تربية والمساهمة في تكوين جيل فاضل يتمتع بارقى الاخلاق والقيم ..(انا بكرهك )..(اسكت ياغبي) ..قطعت هذه الكلمات اللطيفه المتبادلة بين طفلي سيل أفكاري ..وابتسمت بسخرية ..حسنا ..سأخسر دنياي وآخرتي ..لم تنجح بمتابعة عملي ولن تنجح قطعا.. كذلك بتربية ابنائي .. تخلل نقاشي المحتدم مع ذاتي تفنيد حكيم من احدى الزوايا المحصورة في أقصى عقلي ..انا لم اترك العمل لأي سبب سوى انني حقا لم أجد نفسي به ..وهل كانت اقصى احلامي تقتصر على تدريس بعض مبادئ اللغة لمجموعة من الطلاب المترفين ؟ بالطبع لا ..ولكن ذكرني رجاءا ..ايها الحكيم المختبئ ..عن ماهية احلامي الغابرة ؟ ..كرد فعل متوقع من زوجي المرتعد من هيجاني الذهني وبعد أن فشلت بصعوبة في كبح جماح اسئلتي الثائرة ..هرب مني إلى ملجأه الدائم وغريمه الأزلي ..النوم …اعذره تماما ومن سيرغب بعد يومه الطويل المرهق أن يرافق امرأة قاربت اسئلتها المتسارعة الإيقاع الى الوصول الى الوجودية والعدمية .. متململة راقبت ابنتي تقترب مني بحذر ..وكأنها تمشي بخوف بين الالغام ..سألتني بتردد .”.اتقرأين لي قصه قبل النوم ؟..لقد وعدتني بذلك مسبقا ..” رق قلبي بصدق ..اخذت منها قصتها الخضراء وشرعت بالقراءة بصوت هادئ واثق ,كلماتي كانت صحيحه التشكيل مما اثار اعجابي وزهوي وتذكرت كيف كنت في صغري في المدرسة من المتفوقات في مجال الخطابة ومن المتصدرات في الاذاعه المدرسية ..استمتعت حقا بالقصه ..”البجعات المتوحشات “..انهيتها بنغمه امومية حنونة ..وابتسمت لصغيرتي التي نظرت الي بعينيها اللوزيتين وقالت وكأنها تخاطب روحي ..”امي ..انا احبك ..انت احسن ام في الدنيا ” ..شعرت بعبراتي تخنقني ..كيف لكلمات بريئة أن تصنع هذا السحر ..أيقنت أني وجدت جزءا من نفسي التائهة هنا علي وسادتها الصغيرة وانا اقول لها بلحظات شعرت انها تسطر بحروف من ذهب وتعلق على صفحات تاريخنا ,ذكرياتنا ووجودنا ..”انا احبك ايضا “…

تم إنشاء هذا المنصب مع لطيفة وسهلة استمارة التقديم. إنشاء وظيفة الخاص بك!

تقرير

ماذا تعتقد ؟

تعليقات

Please Login to Comment.

Loading…

0

أنت أمام الله هو أنت بالخلق أو دون الخلق

الثقه بالنفس